نواف بن هنيدس
12-10-2007, 07:13 PM
بعد التحية والسلام والصلاة على خير الأنام
أكتب إليكم مقالي هذا , من غير لمزٍ في ذاكَ أو ذا , بعد قدومي من منطقة جازان , تلك المنطقة النائية , والبقعة الباليه , ففيها من القذارة ما الله به عليم , وفيها من المفارقات ما يذهب بلبّ الحكيم.
وقد ذهبت إليها في مهمّه , وأصبحت في كربٍ شديد وغمّه , أعدّ الثواني والساعات , وأرتقب العودة على أقرب الرحلات , وإليكم خطّ سير الرحلة:
أقلعتُ من الرياض على طائرة ناس بصحبة رهطٍ من الناس , وأخذت أرقب الوجوه الشاحبة , كأنها أشباحٌ في دير راهبة , ولا غرابة في هذا الحديث , إذا علمت أنهم من أهل فيفا والليث.
وقائد الطائرة مصري الجنسيّة , من أصحاب البنية القويّه , يُخاطُبنا بصوتٍ جهوري , كأنه من أفراد الجيش الجمهوري , ومضيفاته حسناوات , مريضات اللواحظ مكحولات , , خصورهنّ ناحله , وألحاظهنّ قاتله , كواعب النّهد , كلامهنّ كالشهد.
وبعد أن استقرّت الطائرة في الفضاء , من الربكة ذهبت إلى الخلاء , فمن سمع بحديدٍ يطير , لهُ أجنحةٌ كالعصافير , يمخر غيهب المجهول , من صنع فطاحلة العقول.
ومن ثمّ هبطنا إلى أرض المطار , والجو رطبٌ وحار , وذهبنا إلى سير الشنطْ , وكدت آخذ شنطة أحدهم بالغلطْ , وقابلنا أحد الكدّادين , والله العالم أنه داف له حبتين , فقلنا لهُ نريد بيش , فأجابنا بمائة ريال ما عليش..!!
قلنا لا مانع لدينا , مار عجّل علينا , وركبنا معه على عجاله , وأزعجنا بحديثه عن أم عياله , فقد كانت مريضةً بفشل الكلى , وتوفيت رحمها رب السموات العلى.
وفي خضم حديثه عنها , أحسست بمدى قربه منها , ولكن الله أخذ وديعته , وعاد كل شيءٍ إلى طبيعته " ماتت ".
وواصلنا على الطريق سيرنا , أنا واخوي والسائق ما غيرنا , ومررنا بمحافظة صبيا على عجلْ , ولم يبقََ في القلب خوفٌ ولا وجلْ , وتجاوزناها إلى أبو القعايد الزراعيه , وشاهدنا ثمارها الموسميّه , حيث تعرف بخصوبة أرضها , وطهارة عرضها , فهي أرضٌ طبيعتها بكرْ , تزرع فيها الذرة والأعلاف والسدرْ.
وحثثنا ركابنا على المحلّه , ولم نجد شيئاً في محلّه , فالفوضى عارمة , والأنظمة غير صارمة , والمشاهد تقبح بالمشاهد.
وهكذا حتى بلغنا العزامه , أهل النخوة والشهامه , فهم من خيرة أهل جازان من الصمالية والحزمان , بشوشي الوجوه , إليا شافك الواحد حب على راسك كنك أبوه.
وبعدها وصلنا إلى بيشْ , ووجدناهم في أسوء وأرذل عيشْ , ولا تقولون لي ليشْ...؟؟
فدهاليزها وممراتها مخيفه , ورائحتها أنتن من الجيفه , ومطاعمها تشتكي إلى ربّ العالمين , من قذارة روادها والعاملين , فطلبنا نفرين مندي , وكل واحد يقول الحساب عندي , المهمّ أننا أكلنا على مضضْ , بعد أن جض الفؤاد ومرضْ , فشكّرنا ولسان الحال يقول:
لا كثر الله خيركم , والله يبدلنا بغيركم , وذهبت لأغسل يدي من الدهون , ولم أجد منديلاً ولا صابون ,
فقلت أنا لله وإنا إليه راجعون , متى تعودون , وعن القذارة تنتهون , فلم أجد من يجيبني (( صُمُّ بكمٌ عُميٌ فهم لا يعقلون )).
وأقمنا فيها حتى صلاة العشاء , بعد أن أنهِكنا من شدّة العناء , ومن ثمّ رجعنا إلى السائق , ووجدناه مبتهجاً ورائق , فأعادنا إلى الفندق , بعد أن كادت أعناقنا تندق , حيثُ تخاصمنا معهْ على الحساب , عندما اكتشفنا أنه نصّاب.
فنزلنا وفينا من وعثاء السفر ما اللهُ بهِ عليم , واستعذنا من الشيطان الرجيم , وأخذ صاحبي يغطّ في نومٍ عميق , وبِتُّ مكتئباً ناشف الرّيق , فخرجتُ لأتمشّى على الطريق , ولسان الحال يقول: لا تعليق...!!
فالليلُ مظلمٌ بهيم , وفي الجوف تستعر الجحيم , فوجدتُ فتية ً يمارسون كرة القدمْ , بعد أن كادت برأسي ترتطمْ , فجلست عندهم برهةً من الزمان , لعلّ نفسي تسلى عن الهموم والأحزان , حتى دخل وقت الأذان , وعادوا إلى بيتهم الصبيان , فحضرت صلاة الجماعة , فبها عن الهموم تكتسب المناعة , وعدتُ إلى أدراجي , مُبتهلاً إلى الله راجي.
فأيقظتُ صاحبي المذكور , ولكن عند وقت السفور , فأخذ يتفلسف عليّ لعدم إيقاظة , وكأنهُ فاروق أباظة , فتحاملت على نفسي واصطبرتْ , ولولا اعتصامي بالله لما قدرتْ , وذهبتُ إلى فراشي لأنام , بعد تلك المعاناة والآلام , ولسان حالي يقول:
نِمْ قريرَ العَيْنِ إنّي سأنام ْ = لا تَخفْ دَرْكَاً ولا تَخْشى سِقامْ
نِمْ فإنّ اللّيثَ وافاهُ المبيتْ = أطفأ المِصْباحَ وسترخا العِظَامْ
وأفقتُ على الساعة العاشرة صباحاً , وقد لاحظتُ في نفسي ارتياحاً , وكان صاحبي يتصفّح الجريدة , يبحث عن أخبارٍ جديدة , واستمرّ بنا الحال , ولم يتغيّر هذا المنوال , حتى بلغنا الخامسة والنصف مساءاً , ولم نجد في أنفسنا عناءاً , فذهبنا إلى المطار , وجلسنا في صالة الإنتظار , حتى بلغنا الثامنة ودقيقتين , وركبنا الطائرةَ مودّعين.
بعد أن انتهى موضوعنا وعدنا , ولم يتحقق لنا ما أردنا , فرجعنا خائبين نادمين , ونحنُ في رجاء ربّ العالمين.
هذه قصتي مع جازان , حصرياً في منتدى العضيان , فإن راقت إلى ذائقتكم فبها ونعم , وإلاّ فالقراءةُ تكفي , والمرور عن المشاركة يشفي.
نواف بن هنيدس مرّ من هنا = = = >>
أكتب إليكم مقالي هذا , من غير لمزٍ في ذاكَ أو ذا , بعد قدومي من منطقة جازان , تلك المنطقة النائية , والبقعة الباليه , ففيها من القذارة ما الله به عليم , وفيها من المفارقات ما يذهب بلبّ الحكيم.
وقد ذهبت إليها في مهمّه , وأصبحت في كربٍ شديد وغمّه , أعدّ الثواني والساعات , وأرتقب العودة على أقرب الرحلات , وإليكم خطّ سير الرحلة:
أقلعتُ من الرياض على طائرة ناس بصحبة رهطٍ من الناس , وأخذت أرقب الوجوه الشاحبة , كأنها أشباحٌ في دير راهبة , ولا غرابة في هذا الحديث , إذا علمت أنهم من أهل فيفا والليث.
وقائد الطائرة مصري الجنسيّة , من أصحاب البنية القويّه , يُخاطُبنا بصوتٍ جهوري , كأنه من أفراد الجيش الجمهوري , ومضيفاته حسناوات , مريضات اللواحظ مكحولات , , خصورهنّ ناحله , وألحاظهنّ قاتله , كواعب النّهد , كلامهنّ كالشهد.
وبعد أن استقرّت الطائرة في الفضاء , من الربكة ذهبت إلى الخلاء , فمن سمع بحديدٍ يطير , لهُ أجنحةٌ كالعصافير , يمخر غيهب المجهول , من صنع فطاحلة العقول.
ومن ثمّ هبطنا إلى أرض المطار , والجو رطبٌ وحار , وذهبنا إلى سير الشنطْ , وكدت آخذ شنطة أحدهم بالغلطْ , وقابلنا أحد الكدّادين , والله العالم أنه داف له حبتين , فقلنا لهُ نريد بيش , فأجابنا بمائة ريال ما عليش..!!
قلنا لا مانع لدينا , مار عجّل علينا , وركبنا معه على عجاله , وأزعجنا بحديثه عن أم عياله , فقد كانت مريضةً بفشل الكلى , وتوفيت رحمها رب السموات العلى.
وفي خضم حديثه عنها , أحسست بمدى قربه منها , ولكن الله أخذ وديعته , وعاد كل شيءٍ إلى طبيعته " ماتت ".
وواصلنا على الطريق سيرنا , أنا واخوي والسائق ما غيرنا , ومررنا بمحافظة صبيا على عجلْ , ولم يبقََ في القلب خوفٌ ولا وجلْ , وتجاوزناها إلى أبو القعايد الزراعيه , وشاهدنا ثمارها الموسميّه , حيث تعرف بخصوبة أرضها , وطهارة عرضها , فهي أرضٌ طبيعتها بكرْ , تزرع فيها الذرة والأعلاف والسدرْ.
وحثثنا ركابنا على المحلّه , ولم نجد شيئاً في محلّه , فالفوضى عارمة , والأنظمة غير صارمة , والمشاهد تقبح بالمشاهد.
وهكذا حتى بلغنا العزامه , أهل النخوة والشهامه , فهم من خيرة أهل جازان من الصمالية والحزمان , بشوشي الوجوه , إليا شافك الواحد حب على راسك كنك أبوه.
وبعدها وصلنا إلى بيشْ , ووجدناهم في أسوء وأرذل عيشْ , ولا تقولون لي ليشْ...؟؟
فدهاليزها وممراتها مخيفه , ورائحتها أنتن من الجيفه , ومطاعمها تشتكي إلى ربّ العالمين , من قذارة روادها والعاملين , فطلبنا نفرين مندي , وكل واحد يقول الحساب عندي , المهمّ أننا أكلنا على مضضْ , بعد أن جض الفؤاد ومرضْ , فشكّرنا ولسان الحال يقول:
لا كثر الله خيركم , والله يبدلنا بغيركم , وذهبت لأغسل يدي من الدهون , ولم أجد منديلاً ولا صابون ,
فقلت أنا لله وإنا إليه راجعون , متى تعودون , وعن القذارة تنتهون , فلم أجد من يجيبني (( صُمُّ بكمٌ عُميٌ فهم لا يعقلون )).
وأقمنا فيها حتى صلاة العشاء , بعد أن أنهِكنا من شدّة العناء , ومن ثمّ رجعنا إلى السائق , ووجدناه مبتهجاً ورائق , فأعادنا إلى الفندق , بعد أن كادت أعناقنا تندق , حيثُ تخاصمنا معهْ على الحساب , عندما اكتشفنا أنه نصّاب.
فنزلنا وفينا من وعثاء السفر ما اللهُ بهِ عليم , واستعذنا من الشيطان الرجيم , وأخذ صاحبي يغطّ في نومٍ عميق , وبِتُّ مكتئباً ناشف الرّيق , فخرجتُ لأتمشّى على الطريق , ولسان الحال يقول: لا تعليق...!!
فالليلُ مظلمٌ بهيم , وفي الجوف تستعر الجحيم , فوجدتُ فتية ً يمارسون كرة القدمْ , بعد أن كادت برأسي ترتطمْ , فجلست عندهم برهةً من الزمان , لعلّ نفسي تسلى عن الهموم والأحزان , حتى دخل وقت الأذان , وعادوا إلى بيتهم الصبيان , فحضرت صلاة الجماعة , فبها عن الهموم تكتسب المناعة , وعدتُ إلى أدراجي , مُبتهلاً إلى الله راجي.
فأيقظتُ صاحبي المذكور , ولكن عند وقت السفور , فأخذ يتفلسف عليّ لعدم إيقاظة , وكأنهُ فاروق أباظة , فتحاملت على نفسي واصطبرتْ , ولولا اعتصامي بالله لما قدرتْ , وذهبتُ إلى فراشي لأنام , بعد تلك المعاناة والآلام , ولسان حالي يقول:
نِمْ قريرَ العَيْنِ إنّي سأنام ْ = لا تَخفْ دَرْكَاً ولا تَخْشى سِقامْ
نِمْ فإنّ اللّيثَ وافاهُ المبيتْ = أطفأ المِصْباحَ وسترخا العِظَامْ
وأفقتُ على الساعة العاشرة صباحاً , وقد لاحظتُ في نفسي ارتياحاً , وكان صاحبي يتصفّح الجريدة , يبحث عن أخبارٍ جديدة , واستمرّ بنا الحال , ولم يتغيّر هذا المنوال , حتى بلغنا الخامسة والنصف مساءاً , ولم نجد في أنفسنا عناءاً , فذهبنا إلى المطار , وجلسنا في صالة الإنتظار , حتى بلغنا الثامنة ودقيقتين , وركبنا الطائرةَ مودّعين.
بعد أن انتهى موضوعنا وعدنا , ولم يتحقق لنا ما أردنا , فرجعنا خائبين نادمين , ونحنُ في رجاء ربّ العالمين.
هذه قصتي مع جازان , حصرياً في منتدى العضيان , فإن راقت إلى ذائقتكم فبها ونعم , وإلاّ فالقراءةُ تكفي , والمرور عن المشاركة يشفي.
نواف بن هنيدس مرّ من هنا = = = >>