قلب أبوها
11-30-2007, 11:55 PM
.
.
.
.
.
مقـــالة أعجبتـــني للدكتور : ميسرة طــاهر أحببت أن تشاركوني قراءتها لأنها من صميم الواقع
كان المجلس عامرا بوجوه كثيرة جاءت من أماكن متباعدة تسعى مع تباين مشاربها وثقافاتها إلى شيء واحد هو حب
هذا الرجل الذي ملأ الشيب شعر رأسه ولحيته تماما كما ملأت التجارب والحكمة عقله، كان الجميع يجلسون تلامذة
منصتين لحديثه مع أن عددا وافرا منهم كان من أساتذة الجامعات المرموقين، وهو بدوره يدير الحديث ببراعة ولباقة، لم
يكن الحضور في أحيان كثيرة بحاجة للعودة إلى كتاب يقرأون ما كُتب به فقد كانت ذاكرة الشيخ قادرة في بعض
الأحيان على استحضار ليس فقط اسم الكتاب أو عنوان الفصل وإنما رقم الصفحة أيضا، في هذا الجو المفعم بالبحث
وإعمال العقل والتنقل بين روضة وأخرى من رياض علمه دخل صديق حميم له كبير في السن ولكنه يصغره بسنوات، دخل
حيث نجلس جميعا في صالون كبير ضم جمعا غفيرا من الناس واتجه نحو الشيخ مبتسما فعاجله الشيخ معاتبا أين أنت يا
شيخ محمد ؟ فرد عليه قائلا: والله يا شيخ علي إني أحبك فلو قلت لي ابق حيث أنت لبقيت هناك خارج الباب وبقيت
أحبك، ولو قلت لي ادخل قليلا وقف عند الباب لوقفت وبقيت أحبك، ولو سمحت لي بالدخول إلى منتصف المسافة من الباب إليك لوقفت وبقيت أحبك، ولو أذنت لي بالجلوس بالقرب منك لجلست وبقيت أحبك، ولو لم تسمح لي بالجلوس
وطلبت مني أن أبقى واقفا لفعلت وبقيت أحبك أيضا، تبسم الشيخ ودعا له بخير وعانقه وجلس الضيف...
هذا هو بالضبط المشهد كما رأته عيناي في واحد من مجالس الشيخ علي الطنطاوي الكثيرة التي حضرتها على مدى ربع قرن تقريبا، وهكذا قدم الشيخ محمد القاسمي فلسفته للصداقة والصديق، كيف لا وكلاهما تلميذان نجيبان في مدرسة محمد عليه الصلاة والسلام، ذلك النبي الذي علمنا أن من واجب الصديق أن يلتمس العذر لصديقه وعلمنا أن يحب الصديق لصديقه ما يحبه لنفسه، وأن يعبر له عن مشاعره إن وجدها في صدره فهو القائل: «إذا أحب أحدكم أخاه فليقل له إني أحبك، وليقل له أخاه: أحبك الذي أحببتني لأجله»، فالحب لله والبغض لله هكذا ينبغي أن يكون، ويبدو أن هذا الحب حين
يكون لله يدوم ويبقى ولا يكدره طين المصالح الشخصية ولا عكر الأنانية وضيق الأفق، فالصديق الحق يتيح لصديقه أن يُخرج ما في صدره دون خوف من أن تصبح أسراره على كل لسان، وهو قادر على جعل الصديق يشعر بالارتياح حين يتحدث إليه، وهو الذي يفكر بهموم صديقه حتى لو لم يكن معه، وهو الذي يمكن أن يرتحل مسافات طويلة فقط لأن صديقه يريده أن يكون بجانبه، ويُروى أن الرئيس أبراهام لينكولن كان له صديق صدوق واحد فقط، ومرة داهمت لينكولن الهموم وشعر بضيق شديد، ولم يكن بمقدوره أن يتحدث لأحد فطلب
من صديقه هذا الذي يقطن على بعد أربعة آلاف ميل أن يحضر إليه، فعجل صديقه بالحضور، وما إن وقعت عينا لينكولن عليه حتى بدأ يشتكي له الهموم واستمر الحديث أربع ساعات متواصلة، وصديقه منصت له، وبعد أن انتهى سأله صديقه ماذا عساي أن أفعل؟ فأجابه لينكولن: لقد فعلت، لقد كنت بأمس الحاجة للتحدث إليك فتنصت لي وقد فعلت. هذا النوع من الصداقة هو ما يحتاجه الناس قديما وحديثا، وهذا النوع من الصداقات هو الإسمنت الذي يمكن أن يقوي علاقة البشر ببعضهم البعض، ألسنا جميعا قادرين أن نكون أصدقاء صدوقين؟
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
مقـــالة أعجبتـــني للدكتور : ميسرة طــاهر أحببت أن تشاركوني قراءتها لأنها من صميم الواقع
كان المجلس عامرا بوجوه كثيرة جاءت من أماكن متباعدة تسعى مع تباين مشاربها وثقافاتها إلى شيء واحد هو حب
هذا الرجل الذي ملأ الشيب شعر رأسه ولحيته تماما كما ملأت التجارب والحكمة عقله، كان الجميع يجلسون تلامذة
منصتين لحديثه مع أن عددا وافرا منهم كان من أساتذة الجامعات المرموقين، وهو بدوره يدير الحديث ببراعة ولباقة، لم
يكن الحضور في أحيان كثيرة بحاجة للعودة إلى كتاب يقرأون ما كُتب به فقد كانت ذاكرة الشيخ قادرة في بعض
الأحيان على استحضار ليس فقط اسم الكتاب أو عنوان الفصل وإنما رقم الصفحة أيضا، في هذا الجو المفعم بالبحث
وإعمال العقل والتنقل بين روضة وأخرى من رياض علمه دخل صديق حميم له كبير في السن ولكنه يصغره بسنوات، دخل
حيث نجلس جميعا في صالون كبير ضم جمعا غفيرا من الناس واتجه نحو الشيخ مبتسما فعاجله الشيخ معاتبا أين أنت يا
شيخ محمد ؟ فرد عليه قائلا: والله يا شيخ علي إني أحبك فلو قلت لي ابق حيث أنت لبقيت هناك خارج الباب وبقيت
أحبك، ولو قلت لي ادخل قليلا وقف عند الباب لوقفت وبقيت أحبك، ولو سمحت لي بالدخول إلى منتصف المسافة من الباب إليك لوقفت وبقيت أحبك، ولو أذنت لي بالجلوس بالقرب منك لجلست وبقيت أحبك، ولو لم تسمح لي بالجلوس
وطلبت مني أن أبقى واقفا لفعلت وبقيت أحبك أيضا، تبسم الشيخ ودعا له بخير وعانقه وجلس الضيف...
هذا هو بالضبط المشهد كما رأته عيناي في واحد من مجالس الشيخ علي الطنطاوي الكثيرة التي حضرتها على مدى ربع قرن تقريبا، وهكذا قدم الشيخ محمد القاسمي فلسفته للصداقة والصديق، كيف لا وكلاهما تلميذان نجيبان في مدرسة محمد عليه الصلاة والسلام، ذلك النبي الذي علمنا أن من واجب الصديق أن يلتمس العذر لصديقه وعلمنا أن يحب الصديق لصديقه ما يحبه لنفسه، وأن يعبر له عن مشاعره إن وجدها في صدره فهو القائل: «إذا أحب أحدكم أخاه فليقل له إني أحبك، وليقل له أخاه: أحبك الذي أحببتني لأجله»، فالحب لله والبغض لله هكذا ينبغي أن يكون، ويبدو أن هذا الحب حين
يكون لله يدوم ويبقى ولا يكدره طين المصالح الشخصية ولا عكر الأنانية وضيق الأفق، فالصديق الحق يتيح لصديقه أن يُخرج ما في صدره دون خوف من أن تصبح أسراره على كل لسان، وهو قادر على جعل الصديق يشعر بالارتياح حين يتحدث إليه، وهو الذي يفكر بهموم صديقه حتى لو لم يكن معه، وهو الذي يمكن أن يرتحل مسافات طويلة فقط لأن صديقه يريده أن يكون بجانبه، ويُروى أن الرئيس أبراهام لينكولن كان له صديق صدوق واحد فقط، ومرة داهمت لينكولن الهموم وشعر بضيق شديد، ولم يكن بمقدوره أن يتحدث لأحد فطلب
من صديقه هذا الذي يقطن على بعد أربعة آلاف ميل أن يحضر إليه، فعجل صديقه بالحضور، وما إن وقعت عينا لينكولن عليه حتى بدأ يشتكي له الهموم واستمر الحديث أربع ساعات متواصلة، وصديقه منصت له، وبعد أن انتهى سأله صديقه ماذا عساي أن أفعل؟ فأجابه لينكولن: لقد فعلت، لقد كنت بأمس الحاجة للتحدث إليك فتنصت لي وقد فعلت. هذا النوع من الصداقة هو ما يحتاجه الناس قديما وحديثا، وهذا النوع من الصداقات هو الإسمنت الذي يمكن أن يقوي علاقة البشر ببعضهم البعض، ألسنا جميعا قادرين أن نكون أصدقاء صدوقين؟
.
.
.
.
.
.